الراغب الأصفهاني

93

الذريعة إلى مكارم الشريعة

مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ « 1 » وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ « 2 » ، أي هذبوها قبل الترشح لتهذيب غيركم . وبهذا النظر قيل : « تفقهوا قبل أن تسودوا » « 3 » تنبيها أنكم لا تصلحون للسيادة قبل معرفة الفقه ، والسياسة العامة ، ولأن السائس يجري من المسوس مجرى ذي الظل من الظل ، ومن المحال أن يستوي الظل وذو الظل أعوج « 4 » ، ولاستحالة أن يهتدي المسوس مع كون السائس ضالا قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ « 5 » فحكم أنه محال أن يكون مع اتباع الشيطان يأمر إلا بالفحشاء والمنكر . . الفرق بين مكارم الشريعة وبين العبادة وعمارة الأرض « 6 » : أما مكارم الشريعة فمبدؤها طهارة النفس باستعمال التعلم « 7 » واستعمال العفة والصبر والعدالة ، ونهايتها التخصص بالحكمة والجود والحلم والإحسان . فبالتعلم يتوصل إلى الحكمة ، وباستعمال العفة يتوصل إلى الجود ، وباستعمال الصبر تدرك الشجاعة والحلم ، وباستعمال العدالة تصحح الأفعال .

--> ( 1 ) الصف / 2 ، 3 . ( 2 ) المائدة / 105 . ( 3 ) رواه البيهقي عن عمر من قوله ، وعلقه البخاري جازما به ، وقيل معناه « قبل أن تزوجوا فتصيروا أرباب بيوت » كشف الخفاء 1 / 310 . ( 4 ) في د ، ط خلاف في اللفظ « ومحال أن يعوج ذو الظل ويستقيم ظله » . ( 5 ) النور / 21 . ( 6 ) في ط فقط في الفرق . . . ( 7 ) في أفقط باستعمال التعلم . . . والسياق الذي فصل أوضح هذا حيث قال فبالتعلم . . .